الفن التشكیلي: من جمال الصورة الى علاج النفس

شهد الفن التشكیلي نقلة نوعیة في السنوات الاخیرة حیث تجاوز مرحلة مجرد لوحة فنیة جمیلة یتواتر علیها ,الرواد للتمعن في جمالیة الشكل والألوان ومن الاقتصار على الفنان الأكادیمي لیصبح فنا علاجیا ینتجه كل شخص لدیه طاقة یسعى الى تدوینها و افراغ ما یشعر به من انفعالات نفسیة و بدنیة مما اعطى الفن صفة ملتصقة بما یخالج الروح و ترجمان لعمق دواخلها یكشف أسرارها الخفیة و حدیثها الصامت المسكوت عنه و غیر المباح. إن الخطوط والألوان ماهي إلا نافذة یمكن للمعالج أن یمر من خلالها إلى تفكیر الشخص الذي خطط وترك بصمته لیضع یده على مكمن الداء و الرسم مثله مثل باقي الفنون الأخرى كالنحت و الكولاج والصلصال وباقي الأعمال الیدویة, و هذا ما جعل العلاج بالفن علم معترف به عالمیا لأهمیة تطرقه للأمراض النفسیة ومعالجتها كالاكتئاب والقلق والوسواس القهري والخوف و الادمان .. و الأمراض الجسدیة كالأورام الخبیثة والإیدز ..والأمراض التي تحتاج الى تنویم طویل في المشافي و المشاكل التي لها علاقة بالتعلیم.

الفن التشكیلي بمثابة بوابة عبور نسافر من خلاله الى عوالمنا الداخلیة لیخبرنا عن ذواتنا الكثیر فحتى تلك الخربشات الصغیرة التي نخطها بوعي وبغیر وعي هي شیفرات و رموز تحدثنا عن أنفسنا وهي لیست بحاجة الى مهارة أو موهبة یكفي أن تكون صادقة وحقیقیة لیفكك رموزها المعالج النفسي ویكفي أن تتواصل مع الألوان لیفهم المعالج أین تتواجد ذاتك و یقرأها قراءة سلیمة لیتبع مسار حیاتك منذ طفولتك الى لحظتك الراهنة.
فاللون هذا الجزء المهم في حیاتنا, وهذه الطبقة الملونة التي على علاقة وطیدة بأعیننا تجاوز المفهوم التقلیدي لیصبح مؤثرا في حیاة الإنسان مسؤولا عن مزاجه و سلوكه و یكشف عن طبیعته فقد تخطى اللون حدود الزینة و الزخرفة و التسلیة لیصبح علما متصلا بالجهاز العصبي و صار لكل لون دلالة و تفسیر یكشف طبیعة الشخص ومزاجه فمثلا من دلالة الأحمر الإثارة و الحركة في حین الأزرق یفسر على أنه لون الهدوء والسكینة اما الأصفر فهو لون البهجة و التفكیر و الثرثرة و الانفتاح و الأخضر هو لون الاتزان والحكمة والبرتقالي الودود النشیط … لقد خرج اللون من مفهومه السطحي البسیط لیدرس من ناحیة صفاته الباردة والحارة و من تأثیره الوزني والمكاني و السیكولوجي النفسي وتأثیره في المزاج.
لقد بات مهما أن نفهم أنفسنا و نصاحبها لتصبح صدیقة لنا ونمر بها الى بر الأمان متجاوزین بها كل الأزمات والندبات التي یخلفها فیها الزمن, وصار على كل شخص إدراك ذاته و إحاطتها بطریقة صحیة وهذا ما یسعى إلیه العلاج بالفن فهم الذات الانسانیة والمحافظة علیها في ظل التراكمات والترسبات الیومیة في زمن العولمة والتكنولوجیا وعصر السرعة, لقد صار مهما أن نقف قلیلا لنطل على تلك الروح الانسانیة البسیطة و نطبطب علیها لتكمل المشوار.

بقلم : أ. قتحیة شرف الدین

الاستاذة فتحیة شرف الدین فنانة تشكيلية من تونس الخضراء و خریجة المعهد الأعلى للفنون والحرف بصفاقس وايضا طالبة سنة أولى علم اجتماع و لديها مشاركات في عدة معارض معرض ” فلسطین بعیون تونسیة ” – معرض الصناعات التقلیدیة الشیحیة صفاقس – المعرض الوطني لیوم الجهات مدینة الثقافة تونس -االمعرض الافتراضي الدولي للفنون بجزیرة جربة

:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شارك مع من تحب:

مقالات متعلقة

موجة فن – معرض الموهوبين 2

350 لوحة من أصل 550 , تم اختيارهم بعناية من شتى أنحاء الوطن العربي من موهوبين مبدعين ..كان الهدف من هذا المعرض تحفيز الفنان على

مفاتيح نجاح التصميم

يعتبر التصميم هو نقطة البداية والانطلاقة الحقيقية لجميع الفنون والاعمال الحرفية بل يكاد ان يتعدى ذلك الى جميع مجالات الحياة . فكل ما ننوي القيام

الفن بالزجاج – مقدمة تاريخية –

المقدمة للزجاج استعمالات كثيرة لا يمكن حصرها؛ فهناك من الأطعمة ما يحفظ في جرار زجاجية، كما يتناول الناس بعض أنواع الشراب من كؤوس زجاجية. وهناك

ماهو العلاج بالفن؟

العلاج بالفن هو أحد تخصصات علم النفس العلاجي و علم النفس الجنائي  يدمج بين علم النفس و الفن( بانواعه من رسم و أدب و قراءات